صور

انتماءات تدوينية

إحصاءات

« يوليو 2008 | Main | سبتمبر 2008 »

أغسطس 2008

ناقوس خطر

مقال في الأخبار اللبنانية عن التهديد الذي تواجهه لغة الضاد جراء تناقص استخدامها على الإنترنت. بعض الأرقام أصابتني بالصدمة:

النمو المطّرد في أعداد مستخدمي الشبكة الافتراضية في منطقتنا العربية، تشوّهه آفة القصور في المحتوى الرقمي العربي، فحسب دراسة أجرتها الجامعة الأميركية في القاهرة، فإن 78 بالمئة من مستخدمي الإنترنت العرب لم يمارسوا يوماً الطباعة باللغة العربية!

منذ انتشار شبكة الإنترنت، طُرِحت الشبكة المعلوماتية كنافذة للتواصل والتحادث والتعارف، كان إطارها البرامج المتخصصة في المحادثة، لتبرز مشكلة سببها اللغة شبه الموحدة للشبكة، أي الإنكليزية، التي أفرزت بـ«ديكتاتوريتها الثقافية» ما يحلو للبعض تسميته «اللغة البديلة»، لغةٌ أزاحت أحرف اللغة العربية واستبدلتها لفظاً بأحرف لاتينية أو أرقام تعوّض النقص في أحرف الإنكليزية عن تلبية بعض الحروف في لغة الضاد، فكي تتعامل مع القسم الأكبر من مستخدمي الشبكة، عليك أن تتقن هذه اللغة الهجينة الناتجة من تزاوج اللفظ العربي بالكتابة اللاتينية،

أستاذ مادة اللغات المعاصرة في جامعة مارك بلوك شرقي فرنسا بيير نوبل، رأى أن خطر لغة المحادثة الإلكترونية ليس محصوراً باللغة العربية، فاللغة الفرنسية أيضاً تعاني من منافسة هذه اللغة الهجينة لها في يوميات الجيل الشاب، بين المدوّنات الإلكترونية ورسائل الهاتف القصيرة SMS، وحتى في تدوين المحاضرات في الجامعة. نوبل يرى أن هذه الظاهرة هي نتيجة عصر السرعة الذي يحاصرنا، ويمثّل هاجس الشباب ومسيّرهم اللاإرادي، فالاختصارات واستعمال الأرقام كمخارج لفظية أسرع للطباعة ولإيصال الفكرة، وأيضاً، فهذه اللغة تميز الشاب عن أهله لتكون لغة تخصّ جيله وحده.

نوبل عرض مقتطفات من دراسة أجرتها الجامعة بشأن امتدادات لغة المحادثات الإلكترونية في المجتمع، والنتائج كانت كارثية، 73.4 بالمئة من مستخدمي الشبكة يستخدمون في المحادثة لغةً غير لغتهم الأم، سواء أجنبية أو لغة هجينة غير ملتزمة بالقواعد والأصول الإملائية، 92 بالمئة ممن شملهم الإحصاء يلومون اللغة الأم على هذه النتيجة، ويتهمونها بالقصور أمام عوامل السرعة أو البرمجة أو القدرة التعبيرية أو غيرها، 52 بالمئة من المستخدمين ممن يقل عمرهم عن 25 عاماً يتمنون لو يُسمح باستخدام لغة «التشات» خارج الحقل الافتراضي، سواء في الجامعة أو الإعلام أو التواصل. من هنا نفهم ما يأتي في مقالات عربية بأن «هذه الظاهرة شكل من أشكال التمرد الطبيعي في علم اللغات، وذلك لمواكبة الحداثة والنقلة العالمية إلى عالم الكمبيوتر والتكيّف مع الأمركة الثقافية، وهي تعبير عن ضيق اللغة العربية الأم برتابتها عن مواكبة تطلعات الشباب الخاضع لهذه المسيرة العالمية، فأنتج لغةً بديلةً تجعله في خط متمايز عن الجيل السابق».

يجزم نوبل أن النتائج ستكون كارثية على اللغات، لا سيما التي تعاني من تقاعس أبنائها عن تطويرها كالعربية، وباقي اللغات المتأخرة عن الدخول إلى حيثيات القرن الواحد والعشرين، أما اللغات اللاتينية بمعظمها «فهي نسبياً معرضة لخطر أقل، لامتلاكها احتياطياً ثقافياً وعلمياً مهماً يحافظ على أسسها، ولتجذر معظمها في عالم الإنترنت بمواد مهمة، ولأن هذه اللغات ترعاها مؤسسات رسمية متخصصة تصنفها ثروةً وطنيةً، لكن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن مخاطر تمرّد لغوي قد يتوسع أكثر فأكثر ليصنع هوة بين جيلين، وبين مدرستين إذا لم يُضبط ويراقب جيداً».

خط تحت مأهولة

في سوريا نيوز خبر عن قرار لوزارة الإدارة المحلية بإنشاء لجنة لدراسة طلبات ترخيص المطاعم في دمشق القديمة. هل ستهتم هكذا لجنة بحقوق سكان دمشق القديمة قبل روّاد المطاعم والسيّاح أم هل سيقتصر دورها على حصر فتح المطاعم بمن يملك نفوذاً وواسطة؟ ما تحتاجه الشام القديمة هو قانون يمنع الترخيص لأي مطعم أو فندق جديد. ما فيها يكفيها. إن تطوير المدينة القديمة يعني أن نحسن ظروف سكانها الحاليين ونوفر الخدمات لهم، لا أن نجمّلها للسياح على حسابهم. لنتذكر أن معجزة دمشق القديمة هي في استمرار الحياة داخل أسوارها لآلاف السنين. نقول أنها أقدم مدينة مأهولة في العالم. مأهولة، ويجب أن تبقى كذلك، لا أن تتحول إلى أقدم متحف في العالم.

تاريخ ضائع

Losthistory2_3 فرغت لتوّي من قراءة كتاب "تاريخ ضائع"، للروائي الأميركي والديبلوماسي السابق مايكل مورغان، والذي يتحدث عن الإنجازات التي حققها العلماء والمفكرون والفنانون العرب والمسلمون وإسهاماتهم في بناء أسس الحضارة الحديثة. ومع أن هذا حديث قديم قد سئم البعض من سماعه مراراً وتكراراً، ومع أنني أمقت فكرة التغنّي ليل نهار بما فعله أجدادنا قبل قرون، فإنني وجدت الكتاب مثيراً للاهتمام، خاصة في زمن نعيش فيه ما يصوّر لنا على أنه صراع حضارات. سيتعرّف القارئ الغربي من خلال الكتاب إلى حضارة مختلفة كثيراً عما يرى اليوم ويسمع، وسيتعرف القارئ العربي على زمن بنى فيه أسلافه تفوقهم على مبادئ التسامح والانفتاح وتقبل الآخر.

بأسلوب مشوّق وسلس، يعرض مورغان قصص اكتشافات وإنجازات علمية توصل إليها علماء مسلمون وغير مسلمين في ظل دول إسلامية اتّخذت من العلم سبيلاً للتنافس فيما بينها. بالتأكيد كنت أعرف عن الخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا والرازي وغيرهم من قبل، لكن "التاريخ الضائع" سلّط الضوء على أهمية ما أنجزه هؤلاء في بناء حضارة اليوم، وعلى قصص اكتشافاتهم بتفاصيلها المثيرة.

أشارككم هنا ما كتبه مورغان عن الطبيب الدمشقي ابن النفيس واكتشافه للدورة الدموية الصغرى. ما بين قوسين هو توضيحات من ألف هاء:

سيقود تطور الطب الإسلامي إلى صعود أطباء مثل ابن النفيس، وهو واحد من أشهر أطباء القلب في العصر ما قبل الحديث. ولد ابن النفيس عام 1213 في بلدة صغيرة قرب دمشق (في منطقة خارج أسوار دمشق هي اليوم ضمن حي الميدان)، لكنه بعد أن درس الطب هناك أمضى معظم حياته العملية في القاهرة، رئيساً للمستشفى المنصوري ثم عميداً لكلية الطب التابعة له. وهناك، في حوالي العام 1284 توصل إلى اكتشافه الذي سيهز العالم: التشريح الصحيح للقلب ووظيفته وكيفية جريان الدم عبره إلى الرئتين، حيث "يختلط مع الهواء".

حتى أيام ابن النفيس، كان شرح جالينوس لآلية عمل القلب هو الشرح المتعارف عليه. كتب جالينوس أن الدم يتحرك من البطين الأيمن إلى الأيسر عبر سلسلة من المسامات والممرات بين الجانبين، مع أن أحداً لم يجد قط هذه المسامات. يتحدى ابن النفيس كل ذلك عندما يلقي نظرة عميقة على الدوران القلبي الرئوي، عبر مشاهدات جراحية وربما تشريحية. في كتابه شرح تشريح القانون لإبن سينا يقول:

"ولا بد في قلب الإنسان ونحوه مما له رئة من تجويف آخر يتلطف فيه الدم ليصلح لمخالطة الهواء وهذا التجويف هو التجويف الأيسر (...) ولكن لا منفذ بينهما. إن جرم القلب هناك مصمت، ليس فيه منفذ ظاهر كما ظنه جماعة، ولا منفذ غير ظاهر يصلح لنفوذ هذا الدم كما ظنه جالينوس. فإن مسام القلب هناك مستحصفة وجرمه غليظ، فلا بد وأن يكون هذا الدم إذا لطف نفذ في الوريد الشرياني (المعروف الآن بالشريان الرئوي) إلى الرئة لينبث في جرمها ويخالط الهواء ويتصفى ألطف ما فيه، وينفذ إلى الشريان الوريدي (المعروف الآن بالأوردة الرئوية) ليوصله إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب."

إن أهمية اكتشاف ابن النفيس في الطب الحديث هو بأهمية صفر الخورازمي في الرياضيات الحديثة. كان ابن النفيس أيضاً أول من وضع مخططاً لشبكة الأوعية الدموية التي تغذي القلب بالدم (الشرايين الإكليلية). لكن "التاريخ الضائع" يعني أن تبقى أعماله مجهولة خارج العالم العربي حتى تُترجم في إيطاليا من قبل أندريا ألباغو عام 1547، وفي إسبانيا في مشروع ترجمة منفصل بعد ذلك بسنوات خمس. (يعتقد أن ألباغو عمل لسنوات طبيباً في قنصلية البندقية بدمشق وعاد بعدها إلى إيطاليا بعشرات الكتب الطبية العربية).

بشكل يدعو للريبة، ظهرت ترجمة ألباغو قبل حوالي 60 عاماً من الاختراقات المفاجئة في فهم القلب والدوران على أيدي ويليام هارفي، الطبيب الإنكليزي في بلاط جيمس الأول وتشارلز الأول، والذي كان يدرس في جامعة بادوا. العجيب أن ترجمة ألباغو المعروفة لأعمال ابن النفيس لم تحتو ذكراً لحركة الدم بين القلب والرئة. وهو من الغرابة لدرجة تبعث على الاعتقاد بأن ألباغو حذف هذا المقطع عن قصد خوفاً من ردة فعل السلطات الطبية في إيطاليا. لكن من الممكن أيضاً أن يكون ألباغو قد نقل سر اكتشافات ابن النفيس إلى أحد شركائه الذين يثق بهم.

في باداوا، على الأغلب، يتعرف هارفي إلى أعمال سابقه العربي، ويبدأ بشرح أفكاره عام 1628، بعد حوالي 350 سنة من اكتشافات ابن النفيس. من المهم الإشارة هنا إلى أن هارفي شرح الدورة الدموية في كامل الجسم وليس الدورة الرئوية فقط كما فعل ابن النفيس.

Ibnnafis_2 انتهى الاقتباس. أضيف على ذلك أن إنجاز ابن النفيس بقي مجهولاً حتى مطلع القرن العشرين. في عام 1924، كان الطبيب المصري محي الدين التطاوي يحضّر رسالة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة  فرايبورج بألمانيا عندما عثر في مكتبة الدولة البروسية في برلين على المخطوط رقم 921: "شرح تشريح القانون" ووجد فيه الدليل على أسبقية ابن النفيس في اكتشاف الدوران الرئوي. كتب التطاوي ذلك في رسالته "الدورة الدموية تبعاً لابن النفيس" وجذبت الرسالة اهتمام المستشرق الألماني ماكس مايرهوف الذي أقر بصحة الاكتشاف الجديد وساهم بنشره في الأوساط العلمية.

"التاريخ الضائع" من منشورات ناشنل جيوغرافيك في حزيران 2007 وقد صدرت ترجمته العربية في آذار الماضي عن دار نهضة مصر بالقاهرة

في القرن الواحد والعشرين

طلع علينا البوشيّون بتصريحات هامة حول الحرب الروسية على جورجيا:

"لا زالت روسيا للأسف تستعمل الأداة الوحيدة التي طالما استعملتها لإيصال رسائلها، وهي القوة العسكرية. ليست هذه طريقة التعامل في القرن الواحد والعشرين." – كوندوليزا رايس

"في القرن الواحد والعشرين لا تغزو دول دولاً أخرى"جون ماكين

وتأتي هذه التصريحات في ذكرى مرور مئتي سنة على غزو العراق في القرن التاسع عشر.

تحريف القرآن بالإنكليزية

قمت مؤخراً بتنزيل برنامج القرآن الكريم لـ آي فون من إنتاج شركة باسم سبل الهداية. وبينما كنت أستكشف خصائص البرنامج فوجئت بمحتوى الترجمة الإنكليزية لبعض السور. يقدّم البرنامج مثلاً ترجمة الآية الأخيرة من الفاتحة (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) كما يلي:

The way of those on whom You have bestowed Your grace, not (the way) of those who earned Your anger (such as the Jews), nor of those who went astray (such as the Christians).

أما الآية المعروفة من سورة الأنفال (وأعدوا لهم ما استعطم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم) فقد جاءت ترجمتها على النحو الآتي:

And make ready against them all you can of power, including steeds of war (tanks, planes, missiles, artillery) to threaten the enemy of Allah and your enemy

وهكذا تمت ترجمة الآية الثانية من سورة الغاشية (وجوه يوم إذ خاشعة):

Some faces, that Day, will be humiliated (in the Hellfire, the faces of all disbelievers, Jews and Christians)

ما هذه الخيانة لمبادئ الترجمة، خاصة في كتاب بقدسية القرآن؟ هل تجدون في النص الأصلي للفاتحة والغاشية أي ذكر للمسيحيين أو اليهود؟ أو هل من ذكر في سورة الأنفال للطائرات والمدفعية والدبابات والصواريخ؟

أنا متأكد أن البعض سيردّ -للأسف- قائلاً أن هذا هو المعنى الحقيقي للآيات، وهو أمر أرفضه كما الكثير من المسلمين. لكننا لسنا بصدد مناقشة تفسير الآيات، ولا أريد أن أدخل مع أحد في جدل عقيم حول تفسيرها، فهذا موضوع منفصل تماماً. البرنامج يدّعي أنه يقدّم ترجمة لنص القرآن إلى لغة أجنبية، لا تفسيراً له. والأمران شتّان كما هو معروف. إن مستخدمي النسخة الإنكليزية من البرنامج هم من غير الناطقين بالعربية، وبما أن الترجمة المقدّمة إليهم تحمل إضافات غير موجودة في النص الأصلي فإن المترجمين بلا شك خانوا الأمانة التي أوكلت إليهم وشوّهوا القرآن بتضمين تفسيرهم لمعانيه في ما يدّعون أنه ترجمة نصه العربي.

بعد بعض التمحيص على الإنترنت، علمت أن الترجمة المستخدمة في البرنامج هي في واحدة من أكثر الترجمات الإنكليزية للقرآن شيوعاً، وقد كتبها عام 1984 محمد محسن خان، وهو طبيب أفغاني الأصل درس في الباكستان وبريطانيا قبل أن ينتقل إلى السعودية، ومحمد تقي الدين الهلالي، داعية مغربي الأصل عمل استاذاً في الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة. وقد نشرها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وهو مؤسسة حكومية سعودية، من بين نشاطاتها توزيع آلاف النسخ المجانية من القرآن في الدول غير الناطقة بالعربية. في مقدمة النسخة التي نشرها مجمع الملك فهد صورة عن موافقة دار الإفتاء السعودية تحمل توقيع الشيخ عبد العزيز بن باز الذي يقول فيها أن "الدكتور محمد تقي الدين الهلالي والدكتور محمد محسن خان قد قاما بترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة صحيحة". لا زالت هذه النسخة حتى اليوم الترجمة المعتمدة رسمياً في السعودية والتي يوزّعها مجمع الملك فهد في أنحاء الأرض. وللعلم، لا نجد هذه العبارات المدسوسة في أي من الترجمات الإنكليزية المعروفة الأخرى (ويمكن الاطلاع عليها على هذا الموقع).

إن إضافة عبارات إلى ترجمة القرآن بشكل يوحي أنها موجودة في نصه الأصلي، هو من الناحية العملية تحريف للقرآن الكريم. وإن دسّ هذه الأفكار المتطرفة العائدة إلى تيار ديني أو سياسي مخالف لاعتقادات السواد الأعظم من المسلمين بين آيات القرآن والدعاية لهذه الأفكار تحت غطاء نشر القرآن والتعريف به، هو بلا شك جزء من حملة تشويه تعرض ويتعرض لها الإسلام من قبل هذا التيار. ونحن -وهنا المصيبة- إما صامتون أو وراءه منقادون.

في أسبوع التدوين الدمشقي

قد لا يصدق أحد أن صاحب "المدونة الدمشقية" هو طرطوسي في الهوية. حين يسألني أحدهم "من أين أنت؟" فإن جوابي الأول لا يزال كما في البطاقة الوطنية: طرطوس. لكن الحقيقة أنني أشعر بالانتماء لدمشق بنفس الدرجة، إن لم يكن أكثر. والسبب وراء ذلك لا يعود فقط لكوني عشت في دمشق منذ كنت في السابعة من عمري، بل السبب يكمن أيضاً في دمشق نفسها... فإليها تنتمي كل سوريّا!

لقد اقترح بعض المدونين أن نخصص هذا الأسبوع للكتابة عن دمشق. وقد قرأت عدة تدوينات ممتعة تحدث أصحابها عمّا تمثله دمشق بالنسبة إليهم. وعليه قررت أن أدوّن أيضاً في أسبوع التدوين الدمشقي. جلست أمام الشاشة وأخذت أصابعي وضعية الاستعداد فوق الكيبورد وبدأت بالكتابة:

دمشق: ماذا بعد؟ ليس في ذهني من أفكار.

دمشق: هي أقدم مدينة مأهولة في العالم ويبلغ عدد سكانها...

دمشق: يا أميرة حبّي كيف ينسى غرامه المجنونُ...

دمشق: عاصمة الأمويين وقلب العروبة النابض وقلعة الـ...

بعد بضع محاولات فاشلة. قررت أن أكتب أول وصف يخطر ببالي إذ أتذكر دمشق - البعيدة القريبة. وهذا ما كان:

دمشق: مدينة التناقضات.

دمشق: في دقائق تأخذك من عراقة منازل سوق ساروجة المتهالكة إلى سطحية أبنية شارع الثورة الشاهقة، من زحمة المرسيدس في المالكي إلى عجقة الميكروباصات في جسر الرئيس، من خضرة طريق الربوة إلى إسمنت مشروع دمّر، من نظافة هواء قاسيون إلى تلوث ساحة المرجة، من استقامة أوتوستراد المزة إلى فوضى ساحة الأمويين، من كأس شاي بالنعناع في النوفرة إلى فنجان كابوتشينو في أبو رمانة.

دمشق: حيث يتعايش القديم والجديد، الجميل والبشع، الوسخ والنظيف، النظام والفوضى، التقاليد والانفتاح ، الغنى والفقر، التطرف والتسامح، الحق والباطل، الكبرياء والاستكانة.

دمشق: كما خلقنا فيها كل هذه التناقضات، خلقت فينا هي أيضاً تناقضات.

دمشق: في ماضٍ ليس ببعيد، كفر أهلها بقديمها، ونزحوا خارج أسوارها ليشيّدوا كتلاً من الإسمنت على امتداد غوطتها. وبعد عقود، عادوا إلى المدينة القديمة ضائعين وحائرين في انتمائهم، واستقبلتهم دمشق بأذرع مفتوحة –رغم ما ارتكبوه بحقها على مر السنين، وسمحت للجميع أن يفتّشوا في حاراتها عن هويتهم المفقودة.

دمشق: يمقتها الغرباء عنها، يذمّون صلفها ويحسدون كبرياءها وينفرون من تعقيداتها وجنونها، لكنهم يزحفون إليها، ومتى وطؤوا أرضها تصبح وطنهم الذي لا يستطيعون عنه رحيلاً.

دمشق: في كل يوم، يهجرها شبابها إلى غريماتها من مدائن الشرق والغرب، ناقمين على ما آل إليه حالها، عازمين على المضي بعيداً دون عودة. لكنهم سرعان ما يذوبون شوقاً إليها إذ يدركون أنهم بدونها مجرد غرباء بلا هوية، فيبحثون عنها في الصور والكتب والشعر والمسلسلات و... المدوّنات، أو يعودون إليها تائبين.

دمشق: نحبها ونكرهها، نلعنها ونعبدها، نتركها ونشتاق إليها، نهرب منها ونركض إليها.

دمشق...

محمود درويش 1942-2008

Darwish_4

لكل مرة كانت فيها "سجّل أنا عربي" تملؤنا بالكبرياء، و"أغمدت في لحم الظلام هزيمتي" تملؤنا بالتحدي و"نشيد الرجال" يملؤنا بالحماس و"أحن إلى خبز أمي" تملؤنا بالدموع و"يا دامي العينين" تملؤنا بالأمل...

... شكراً محمود درويش.

إعلانات

تابع هذه المدونة

  •  

    Add to Google Reader or Homepage

    Subscribe in Bloglines

    Add to netvibes